
حرب إيران والولايات المتحدة وإسرائيل: لا ينبغي لأسعار النفط أن تحجب أرواح الإيرانيين
تحليل تحريري · تم التدقيق في 2026-10-22
سبقت حملة القمع في يناير 2026 الهجمات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير. ولا يجوز للتغطية الإعلامية للحرب أن تحول الشعب الإيراني إلى مجرد هامش يُذكر في سياق أسعار النفط أو ممرات الشحن أو الجدالات السياسية في واشنطن. يميز هذا القسم بين الأحداث الموثقة والنقد التحريري: فالأدلة تُظهر بروز الزاوية الاقتصادية واتهامات بالتضامن الانتقائي، لا تعتيماً إعلامياً شاملاً ومحسوباً.
قبل الحرب، كانت هناك حملة قمع
يختلف الصراع الذي بدأ بالضربات الأمريكية والإسرائيلية في 28 فبراير 2026 عن حرب يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران. فقد حدثت حملة القمع في يناير قبل أسابيع من هجمات فبراير. وإن التعامل مع كل ضحية إيرانية على أنها نتيجة للحرب اللاحقة بين الدول يطمس فارقاً جوهرياً: وهو أن هؤلاء الضحايا سقطوا أصلاً جراء قمع حكومتهم لهم. [1] [2]
تُقدّر الإحصاءات الواردة في هذا الأرشيف حصيلة ضحايا قمع يناير بأكثر من 40,000 قتيل. ويوثق سجل حصيلة الضحايا لدينا هذه الأدلة: تحققت وكالة هرانا (HRANA) من 7,007 أسماء مع وجود آلاف الحالات الأخرى قيد المراجعة؛ وأفادت مجلة تايم (Time) بتسجيل 30,304 وفيات في سجل مستشفى مدني ليومي 8 و9 يناير وحدهما؛ كما أشارت وثائق أمنية مسربة نقلتها قناة إيران إنترناشيونال (Iran International) إلى سقوط ما بين 33,000 و36,500 قتيل؛ ويتجاوز المجموع التراكمي لتقارير منظمة حقوق الإنسان في إيران وهرانا 42,000 قتيل. وكانت التحليلات الخارجية المبكرة أقل من ذلك: ففي 19 يناير، وصف مركز الدراسات الشرقية البولندي (OSW) سقوط نحو 13,000 قتيل بأنه تقدير معتدل في ظل استمرار انقطاع الإنترنت آنذاك. يقترن كل رقم بمصدره وتاريخه، وإن حجب الإنترنت هو السبب وراء استمرار ارتفاع العدد الحقيقي، وليس مبرراً لنسيان الضحايا. [2]
حين تصبح إيران مجرد مؤشر للأسعار
في 28 فبراير، نشرت وكالة رويترز (Reuters) تحليلاً حول كيفية تأثير الصراع على الأسواق العالمية، إلى جانب تقرير يصف أكبر أزمة في سوق النفط منذ عقود. وركز الأخير على تعطل الصادرات وحالة عدم اليقين والارتفاعات المرجحة في الأسعار. وفي 5 مارس، تناول تقرير آخر لرويترز تقديرات غولدمان ساكس (Goldman Sachs) لتداعيات ذلك على التضخم والنمو العالمي. تمثل هذه التقارير أمثلة ملموسة على طغيان العدسة الاقتصادية في تغطية الحرب، وليست دليلاً على أن رويترز أو الصحافة عموماً توقفت عن تغطية أخبار المدنيين الإيرانيين. [1] [3] [4]
إن النفط والشحن والتضخم وتكاليف المعيشة موضوعات مشروعة؛ فالاضطراب الاقتصادي يضر بالناس العاديين أيضاً. إلا أن المأخذ التحريري يكمن فيما يحدث عندما تصبح هذه الزاوية هي التفسير السائد لكل ما يتعلق بإيران؛ إذ يُختزل البلد حينها في كونه خطراً يهدد الإمدادات، ويظهر شعبه بالأساس كمصدر لعدم الاستقرار. وهكذا، قد تتوارى عن الأنظار عائلات تبحث عن المعتقلين، والناجون من إطلاق النار، والمطالبات بالمساءلة، رغم كونها في صميم القصة. [3] [4] [6]
لم يُجرِ هذا الأرشيف حصراً منهجياً للمساحات الزمنية في البث، أو الصفحات الأولى، أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي قبل 28 فبراير وبعده. وبناءً عليه، فهو لا يدّعي إثبات أن تغطية الحرب أو النفط قد أزاحت أخبار الاحتجاجات في كل وسائل الإعلام. إن النقد الأدق والأكثر وجاهة هو أن التغطية التي تتمحور حول الأسواق أو الاستراتيجية العسكرية تستوجب رواية موازية عن أولئك الذين يعيشون تحت وطأة القمع والحرب معاً. ولا ينبغي لتغير أولويات التغطية الإخبارية أن يتحول إلى صك عفو عن الانتهاكات السابقة.
المدنيون الإيرانيون تحت وطأة القصف
تضرر الإيرانيون أيضاً من الحرب نفسها. ففي تقريرها الشامل للأسبوعين المنشور في 13 مارس، سجلت مجموعة هرانا (HRANA) الحقوقية 4,765 ضحية بشرية (بين قتيل وجريح، من المدنيين والعسكريين)، من بينهم 205 أطفال، وأضراراً لحقت بـ 20 مستشفى و36 مدرسة، ونزوح ما لا يقل عن 3.2 مليون شخص داخلياً. وخلال الفترة نفسها، وثقت هرانا 203 حالات اعتقال نفذتها قوات الأمن داخل إيران؛ إذ لم يتوقف القمع حتى أثناء تعرض البلاد للهجوم. [9]
تمثل هذه الأرقام حصائل هرانا المرحلية المؤرخة وليست إحصاءً نهائياً، وقد نشرت جهات رصد ووزارات أخرى أرقاماً مغايرة. إن المدنيين الذين قُتلوا بالضربات الخارجية والمتظاهرين الذين قتلتهم دولتهم هم جميعاً ضحايا؛ ويجب توثيق كل فئة على حدة، ولا ينبغي استغلال مأساة أي منهما لطمس الأخرى. [9]
بعد وقف إطلاق النار: عناوين هرمز في الصدارة، والمشانق في الداخل
في 15 يونيو، أفادت رويترز بالتوصل إلى اتفاق أولي بين الولايات المتحدة وإيران يمدد وقف إطلاق النار الهش المُعلن في أبريل ويعد بإعادة فتح مضيق هرمز؛ وأشار التقرير نفسه إلى انخفاض أسعار النفط إلى أدنى مستوى لها في ثلاثة أشهر. وبحلول 22 سبتمبر، نقلت رويترز عرضاً من مسؤول إيراني لإعادة فتح المضيق في غضون سبعة أيام إذا خففت واشنطن ضغوطها العسكرية ورفعت حصارها عن الموانئ الإيرانية. وهكذا عادت الدبلوماسية والملاحة البحرية لتتصدرا معظم الأخبار المتعلقة بإيران. [10] [11]
وخلال تلك الأشهر ذاتها، حوّلت السلطات حملة قمع يناير إلى موجة من الإعدامات. فقد أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) في 10 سبتمبر بأن السلطات أعلنت عن 29 عملية إعدام مرتبطة بالاحتجاجات بين 18 مارس ونهاية أغسطس 2026، كان بعضهم فتياناً في سن 18 و19 عاماً، ونُفذ بعضها علناً. وفي 5 أكتوبر، أفادت إيران إنترناشيونال بإعدام اثنين آخرين من متظاهري يناير، وهما علي رضا سباهي وعلي رضا رئيسي، في سجن دستكرد في أصفهان، ليرتفع عدد أحكام الإعدام المنفذة في قضية ساحة عليخاني إلى سبعة. [12] [13]
أفادت منظمة «هنغاو» في 9 أكتوبر بأن ما لا يقل عن 106 أشخاص اعتُقلوا خلال احتجاجات يناير قد حُكم عليهم بالإعدام، أُعدم منهم 35 شخصاً بالفعل، بينما يواجه 63 آخرون خطراً جسيماً. وذكرت منظمة العفو الدولية، في 13 و16 أكتوبر، أن 34 شخصاً على الأقل أُعدموا تعسفياً على خلفية الانتفاضة عقب محاكمات جائرة شابتها اعترافات تحت التعذيب، من بينهم خمسة أُعدموا في أسبوع واحد، وأن المحكمة العليا أيدت ما لا يقل عن 20 حكماً إضافياً بالإعدام. تختلف الإحصاءات باختلاف المنظمات والتواريخ؛ غير أنها جميعاً توثق حملة إعدامات متصاعدة الوتيرة. [14] [15] [16]
لم تقتصر الإعدامات على قضايا الاحتجاجات؛ إذ وثقت «هنغاو» تنفيذ ما لا يقل عن 68 حكماً بالإعدام في شهر سبتمبر 2026 وحده، اثنان منها علناً، و604 إعدامات منذ مطلع العام. وعندما تصبح محادثات وقف إطلاق النار وحركة ناقلات النفط هي المعيار الوحيد لما يُعد خبراً عن إيران، يواجه هؤلاء السجناء خطر الإعدام في ظل غياب شبه تام للاهتمام الدولي. [17]
التضامن الانتقائي: نقد موجه لتيارات من اليسار الغربي
في مقاله المنشور في 16 يناير بعنوان «صمت اليسار حيال إيران»، وصف غال بيكرمان شعور المعارضين الإيرانيين في المنفى بالخذلان من قِبل تيارات في اليسار الأمريكي. يمثل هذا التوصيف نقلاً لمشاعر الاستياء وليس استنتاجاً إحصائياً ينطبق على كل منظمة أو معلق يساري؛ فهو يوثق مظلمة حقيقية: إذ شعر بعض الإيرانيين بأن نضالهم يُفسَّر في المقام الأول من منظور مناهضة النفوذ الأمريكي، بدلاً من التضامن مع أولئك الذين يقاومون نظام الجمهورية الإسلامية. [5]
إن التحدي التحريري هنا مباشر وواضح: ينبغي ألا يقترن نقد العمليات العسكرية الأمريكية أو الإسرائيلية بالتهوين من جرائم القتل التي ترتكبها قوات الأمن الإيرانية. كما أن تفسير كل احتجاج مناهض للنظام على أنه تدخل أجنبي يجرد المتظاهرين من إرادتهم السياسية الحرة. كذلك، فإن عداء الجمهورية الإسلامية لواشنطن لا يمنح سجونها، أو إعداماتها، أو عنفها ضد المتظاهرين أي حصانة من التدقيق والمساءلة؛ فمناهضة الإمبريالية ليست بديلاً عن الإنصات إلى أصوات من يواجهون القمع في الداخل.
وجهت شيرين عبادي انتقاداً مماثلاً، ركزت فيه على الموقف الأوروبي بعد اندلاع الحرب؛ إذ أفادت «إيران إنترناشيونال» في 15 أبريل بأنها صرحت أمام إحدى لجان البرلمان الأوروبي بأن الصراع القائم بين الحكومة الإيرانية وشعبها لم يشهد أي وقف لإطلاق النار قط، واتهمت الحكومات الأوروبية بغض الطرف عن جرائم النظام. هذا الانتقاد منسوب إليها ويعبر عن موقفها إزاء استجابة الحكومات، ولا ينبغي تحريفه ليُصوَّر كأنه مسح لوسائل الإعلام اليسارية. [6]
مناهضة الحرب ورفض القمع موقفان متكاملان لا يتعارضان
للأمثلة المضادة أهمية بالغة؛ فقد وصفت افتتاحية صحيفة «الغارديان» في 9 يناير بوضوح وحشية النظام الإيراني وقمعه، محذرة في الوقت ذاته من أن تهديدات دونالد ترامب بالتدخل لن تخدم المدنيين. وفي مقال نشرته مجلة «ذا نيشن» في 1 مارس، تناول سينا توسي أصوات المجتمع المدني الإيراني التي تدين القتل الجماعي في يناير وترفض في آن واحد التصعيد العسكري الخارجي. تدحض هذه المصادر الادعاء الجازم بأن جميع المعارضين واليساريين المناهضين للحرب قد تجاهلوا عمليات القتل. [7] [8]
لا يتحدث الإيرانيون بصوت سياسي واحد؛ فبينما يدعو البعض إلى ممارسة ضغوط خارجية، يرفض آخرون التدخل العسكري مع تمسكهم بالمطالبة بالتغيير الديمقراطي. ولا يلغي أي من الموقفين مسؤولية النظام عن القمع، كما لا يجعل سقوط الضحايا المدنيين جراء الضربات الخارجية أمراً مقبولاً. المعيار المتبع هنا ثابت لا يتغير: تسمية الضحايا، وتحديد المسؤولين عن إيذائهم، وتوثيق الأدلة وحفظها، والإنصات إلى مطالب الإيرانيين دون حصرهم في خيار قسري بين الاستبداد الداخلي أو الحرب الخارجية. [8] [6]
التغطية الحربية: المصادر وسجل القراءات
- رويترز — كيف يمكن للتوترات بين الولايات المتحدة وإيران أن تعيد تشكيل الأسواق العالمية — 28 فبراير 2026. تقرير معاصر للضربات العسكرية وسيناريوهات الأسواق؛ ولا يُعد مسحاً للتغطية الإعلامية.
- مركز الدراسات الشرقية (OSW) — القمع الوحشي للاحتجاجات في إيران — 19 يناير 2026. يميّز التحليل بين التقديرات المرتفعة والحالات المؤكدة والتقارير التي لا تزال قيد التحقق؛ الأرقام مؤرخة ولا تمثل الحصيلة النهائية.
- رويترز — الحرب مع إيران تدخل أسواق النفط في أسوأ أزمة منذ عقود — 28 فبراير 2026. تأطير في سياق الأخبار الاقتصادية بشأن تعطل الصادرات ومخاطر تقلب الأسعار.
- رويترز — غولدمان ساكس: الاقتصاد العالمي يواجه اختباراً للتضخم والنمو وسط تصاعد النزاع في إيران — 5 مارس 2026. ينقل توقعات مشروطة للمحللين، وليست نتائج اقتصادية محسومة.
- غال بيكرمان، ذا أتلانتيك — صمت اليسار بشأن إيران — 16 يناير 2026. مقال رأي منسوب يتناول رؤى المعارضين في المنفى. قد يتطلب الوصول اشتراكاً.
- إيران إنترناشيونال — الحائزة على نوبل عبادي تنتقد صمت أوروبا إزاء القمع في إيران — 15 أبريل 2026. إفادة أمام لجنة برلمانية؛ الاتهامات بالصمت تمثل انتقادات عبادي.
- رأي الغارديان حول الاحتجاجات في إيران: أساليب القمع القديمة تواجه ضغوطاً جديدة — 9 يناير 2026. افتتاحية تندد بالقمع وتحذر في الوقت ذاته من التدخل الخارجي.
- سينا طوسي، ذا نيشن — الأصوات الإيرانية التي لا تسمعها أمريكا — 1 مارس 2026. مقال رأي يعرض وجهات نظر إيرانية مناهضة للاستبداد والحرب، ولا يمثل استطلاعاً محايداً لجميع الآراء الإيرانية.
- هرانا — نظرة إحصائية شاملة مع ختام الأسبوع الثاني من الحرب في إيران — 13 مارس 2026. تشمل الحصيلة الإجمالية الجارية القتلى والجرحى، من المدنيين والعسكريين؛ وليست حصيلة نهائية.
- رويترز — الولايات المتحدة وإيران توقعان اتفاقاً لوقف إطلاق النار، وتفاصيله لا تزال غير واضحة — 15 يونيو 2026. اتفاق أولي؛ والهدنة الدائمة لم تكن قد نوقشت بعد حتى وقت النشر.
- رويترز — إيران تبدي استعدادها لإعادة فتح مضيق هرمز إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار — 22 سبتمبر 2026. ينقل عرضاً مشروطاً لمسؤول إيراني رفيع المستوى.
- هيومن رايتس ووتش — إيران: حملة إعدامات غير قانونية متواصلة بحق المحتجين — 10 سبتمبر 2026. يوثق الإعدامات المعلنة بين 18 مارس ونهاية أغسطس 2026.
- إيران إنترناشيونال — إعدام محتجَّين آخريْن من متظاهري يناير في إيران — 5 أكتوبر 2026. يستند إلى منظمتي «هينغاو» و«هرانا» وتأكيد من وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية.
- هينغاو — 106 أحكام بالإعدام بحق معتقلي احتجاجات يناير، وتنفيذ الحكم في 35 منهم حتى الآن — 9 أكتوبر 2026. الحصيلة الموثقة لدى «هينغاو» حتى 9 أكتوبر 2026.
- منظمة العفو الدولية — خمس عمليات إعدام تعسفية مرتبطة بالاحتجاجات خلال أسبوع واحد — 13 أكتوبر 2026. بيان عاجل؛ الأرقام تمثل توثيق منظمة العفو الدولية حتى تاريخ النشر.
- منظمة العفو الدولية — خطر تنفيذ إعدامات وشيكة مرتبطة بالاحتجاجات بعد محاكمات جائرة — 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026. تقارير تفيد بتنفيذ ما لا يقل عن 34 حكم إعدام وتأييد ما لا يقل عن 20 حكماً بالإعدام.
- منظمة هينغاو — إيران تعدم 68 سجيناً خلال سبتمبر، اثنان منهم علناً — 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026. تشمل جميع الإعدامات، وليس قضايا الاحتجاجات فحسب.