جذور المقاومة العمالية: الفترة ما قبل الثورية

لم تبدأ المقاومة العمالية في إيران مع الثورة الإسلامية، بل لها جذور عميقة تمتد إلى العقود التي سبقتها. ففي بداية القرن العشرين، مع اكتشاف النفط وتأسيس المصانع، بدأت الطبقة العاملة بالتشكل وتطوير وعيها النقابي. شهدت سنوات الأربعينيات والخمسينيات نشاطًا عماليًا ملحوظًا، خاصة في قطاع النفط، حيث نظم العمال إضرابات كبيرة للمطالبة بتحسين ظروف العمل وزيادة الأجور. كانت هذه الإضرابات غالبًا ما تواجه قمعًا شديدًا من قبل حكومة الشاه، لكنها أسست لتراث من النضال العمالي الذي استمر لعقود. لعبت التجمعات العمالية دوراً مهماً في تشكيل الوعي السياسي وتوحيد جهود المطالبين بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، مما مهّد لدورهم الفاعل لاحقاً في الأحداث الكبرى.
قبل الثورة، كانت الحركة العمالية الإيرانية تتسم بنشاط ملحوظ، خاصة في قطاعي النفط والنسيج. في عام 1946، على سبيل المثال، شهدت حقول النفط في عبدان إضرابًا ضخمًا شارك فيه الآلاف من العمال للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، وهو ما دفع الحكومة آنذاك إلى استجابات أمنية عنيفة، لكنه لم يوقف تزايد الوعي العمالي. بعد الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عام 1953، تعرضت النقابات العمالية للقمع الشديد، وتم حظر العديد منها، مما أجبر النشاط العمالي على العمل في السر. ومع ذلك، استمرت المطالب العمالية بالتغلغل في المجتمع، وكانت جزءًا محوريًا من التحركات الاجتماعية التي أدت في النهاية إلى الثورة الإيرانية عام 1979، حيث لعب العمال دوراً حاسماً في تعطيل اقتصاد النظام السابق عبر الإضرابات المنسقة.
عمال النفط: القوة الصامتة للاقتصاد الإيراني

يمثل عمال قطاع النفط والغاز في إيران قوة اقتصادية وسياسية هائلة، نظرًا لأهمية هذا القطاع في الاقتصاد الوطني. تاريخيًا، لعب هؤلاء العمال دورًا حاسمًا في الأحداث الكبرى، فإضراباتهم عام 1978-1979 كانت أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى سقوط نظام الشاه. وفي السنوات الأخيرة، عاد عمال النفط بقوة إلى المشهد الاحتجاجي، خاصة منذ عام 2020، حيث نظموا إضرابات واسعة شملت عدة محافظات، مطالبين بتحسين الأجور وظروف العمل، وإنهاء عقود التوظيف المؤقتة التي تحرمهم من الاستقرار الوظيفي والتأمين الاجتماعي. هذه الإضرابات أدت إلى تعطيل جزئي للإنتاج في بعض المنشآت، مما سلط الضوء على قدرتهم على التأثير في صميم الاقتصاد الإيراني وفعالية نضالهم في التأثير على صانعي القرار.
تتركز مطالب عمال النفط على إنهاء التمييز بين عمال العقود المؤقتة والعمال الرسميين، وتوحيد جدول الرواتب والمزايا، وتحسين معايير السلامة المهنية في بيئات العمل الخطرة. وفي صيف عام 2021، شارك آلاف العمال في إضراب 'الحملة 1400' عبر أكثر من 100 شركة نفط وغاز وبتروكيماويات في جميع أنحاء البلاد. أفادت تقارير بثتها 'إيران واير' و'بي بي سي فارسي' بأن حجم الإضرابات كان كبيرًا جدًا، مما اضطر الحكومة إلى تقديم بعض التنازلات، وإن لم تكن كافية لتحقيق جميع مطالب العمال. هذه التحركات تؤكد على أن عمال النفط، رغم القيود الأمنية الشديدة والرقابة الحكومية، لا يزالون يمثلون عامل ضغط قويًا، ويمكن لإضراباتهم أن تشل قطاعًا حيويًا، مجبرة السلطات على الاستماع لمطالبهم.
التأثير على المشهد السياسي وصعوبات التنظيم
تُظهر الاحتجاجات العمالية المستمرة في إيران، من هفت تبه إلى حقول النفط، أن الطبقة العاملة لا تزال قوة فاعلة في المشهد السياسي، حتى في ظل نظام قمعي يحد من الحريات النقابية والتجمع. فبينما لا يُسمح بتشكيل نقابات عمالية مستقلة بحرية، يلجأ العمال إلى أشكال تنظيمية بديلة، مثل المجالس التنسيقية ومجموعات التضامن على وسائل التواصل الاجتماعي، لتنسيق تحركاتهم ونشر رسالتهم. هذه الحركات العمالية تقدم نموذجًا للتحدي ضد بنى السلطة، ليس فقط من خلال المطالب الاقتصادية، بل أيضًا من خلال الكفاح من أجل مساحة مدنية وحرية للتعبير عن المظالم، وهو ما يعكس سعي العمال لتأكيد وجودهم كجزء لا يتجزأ من المجتمع، رافضين تهميشهم.
رغم هذا التأثير، تواجه الحركات العمالية في إيران تحديات جمة، أبرزها القمع الأمني الشديد الذي يتعرض له قادة وعمال النضال. حيث تُعتبر التجمعات والإضرابات غير المصرح بها أعمالاً غير قانونية، ويواجه المشاركون فيها الاعتقال التعسفي، والاتهامات الأمنية، وحتى أحكام السجن. إن غياب نقابات عمالية قوية ومستقلة يعني أن العمال يفتقرون إلى آليات التفاوض الفعالة والحماية القانونية الكافية. ومع ذلك، فإن الإصرار على مواصلة الاحتجاجات، والتضامن المتزايد بين مختلف القطاعات العمالية، يشير إلى أن روح المقاومة لا يمكن قمعها بالكامل، وأن المطالب بالعدالة الاجتماعية والكرامة ستظل حية داخل الطبقة العاملة الإيرانية. هذه التحديات تدل على أن النضال العمالي في إيران هو معركة مستمرة متعددة الجوانب تتطلب المثابرة والتخطيط الاستراتيجي.
المنظمات الحقوقية الدولية ودورها
تلعب المنظمات الحقوقية الدولية دورًا حيويًا في توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها العمال في إيران، ونقل أصواتهم إلى العالم. فمنظمات مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، ومركز عبد الرحمن بورومند لحقوق الإنسان (Boroumand Center) تقوم بجمع المعلومات من مصادر داخلية ومتابعة المحاكمات، وتقرير الأوضاع بشكل دوري. هذه التقارير غالبًا ما تسلط الضوء على الاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والأحكام القضائية الجائرة ضد النشطاء العماليين، وتساعد في الضغط على الحكومة الإيرانية لاحترام التزاماتها الدولية في مجال حقوق العمل والحقوق المدنية والسياسية. بدون هذه المنظمات، غالبًا ما تبقى هذه الانتهاكات غير موثقة، والضحايا يفتقرون إلى أي دعم خارجي.
كما أن هذه المنظمات لا تقتصر على التوثيق فحسب، بل تعمل أيضًا على الدفاع عن هؤلاء العمال من خلال حملات المناصرة الدولية. فمن خلال البيانات الصحفية، والتقارير المفصلة، والتواصل مع الحكومات والمنظمات الدولية الأخرى، تسعى هذه المنظمات إلى توفير الحماية للنشطاء العماليين، ورفع الوعي بالقمع الذي يتعرضون له. على سبيل المثال، وثقت منظمة العفو الدولية في العديد من المناسبات حالات إسماعيل بخشي ومحمد خاني، وتسليط الضوء على الانتهاكات التي تعرضوا لها. تساعد هذه الجهود في كسر جدار الصمت حول القضايا العمالية في إيران، وتقديم بارقة أمل للضحايا بأن صوتهم مسموع وأن نضالهم لا يمر دون اهتمام من المجتمع الدولي، مما يعزز من صمودهم في وجه القمع.
مستقبل الحركة العمالية الإيرانية
على الرغم من التحديات الهائلة، يُظهر التاريخ الحديث للحركة العمالية في إيران مرونة وصمودًا لافتين. فكلما حاول النظام قمع الاحتجاجات، ظهرت أشكال جديدة من التنظيم والمقاومة. يتوقع أن تستمر المطالب العمالية، خاصة فيما يتعلق بالأجور المُنخفضة، وتأخر الرواتب، وسوء ظروف العمل، في كونها دافعًا رئيسيًا للاحتجاج. إن التضخم الاقتصادي والارتفاع المستمر في تكلفة المعيشة يزيدان من الضغط على العمال، مما يجعل المطالب الاقتصادية محركًا رئيسيًا للاضطرابات الاجتماعية. ومع استمرار العقوبات الدولية والسياسات الاقتصادية الحكومية التي تزيد من معاناة الطبقة العاملة، من المرجح أن تزداد وتيرة الاحتجاجات وشدتها، فالمطالب الاقتصادية لا تزال تشكل حافزًا قويًا للتحركات العمالية المتواصلة.
في المستقبل، قد نشهد تعزيزًا للتضامن بين مختلف قطاعات العمال، ليس فقط بين عمال الصناعات الكبرى بل أيضًا بين المعلمين، والممرضات، وغيرهم من الموظفين الحكوميين والمتقاعدين، الذين يواجهون تحديات اقتصادية مماثلة. هذا التضامن المتزايد يمكن أن يقوي من صوت الحركة العمالية الإيرانية ويجعلها أكثر فعالية في الضغط على الحكومة. ومع استمرار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتنظيم ونشر المعلومات، يمكن للحركة العمالية أن تتجاوز القيود المفروضة على الإعلام التقليدي وأن تصل إلى جمهور أوسع داخل وخارج إيران. إن النضال المستمر من أجل الحقوق العمالية والعدالة الاجتماعية في إيران، هو جزء لا يتجزأ من النضال الأوسع من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد. إن هذه التطورات تشير إلى أن الحركة العمالية ستظل لاعباً هاماً وحيوياً في تحديد مستقبل إيران.
ما الجديد منذ النشر الأول في 5 يونيو 2026؟
منذ نشر المقال في 5 يونيو 2026، استمرت تقارير المنظمات الحقوقية الدولية في توثيق تدهور أوضاع العمال في إيران. تشير منظمة العفو الدولية (Amnesty International) إلى تزايد الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الجائرة للنشطاء العماليين، خاصة من قطاعي النفط وقصب السكر، حيث يواجهون اتهامات أمنية بسبب مشاركتهم في الإضرابات أو تنظيم التجمعات. هذا القمع الممنهج يعكس سعي السلطات الإيرانية إلى كبح أي شكل من أشكال الاحتجاج المنظم، في حين تستمر الأزمات الاقتصادية في مفاقمة معاناة العمال وتدفعهم إلى مزيد من التحركات.
تُظهر التحديثات أن التحديات الاقتصادية، بما في ذلك التضخم المستمر وتأخر دفع الأجور، لا تزال المحرك الرئيسي للاحتجاجات العمالية. أفادت هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) في تقاريرها الأخيرة بتأثير هذه الظروف على عمال المشاريع المؤقتة، الذين يعانون من غياب الحماية القانونية والتأمين الاجتماعي. ورغم القيود الشديدة، تشير بعض المصادر إلى محاولات لتنسيق الاحتجاجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يدل على استمرارية المقاومة والتكيف مع أساليب القمع. يبقى توثيق هذه التطورات تحديًا، مع قلة المعلومات المتاحة من داخل إيران.
تظل المطالب الأساسية للعمال، كتحسين ظروف العمل، وزيادة الأجور، وتوحيد جداول الرواتب، على رأس أولويات الحركة العمالية. يواصل مركز عبد الرحمن بورومند (Abdorrahman Boroumand Center) رصد الانتهاكات بحق المدافعين عن حقوق العمال، مؤكداً أن غياب نقابات عمالية مستقلة وفعالة يضع العمال في موقف ضعف أمام انتهاكات أصحاب العمل والسلطات. رغم هذه التحديات، يبرز التضامن بين مختلف القطاعات العمالية كاستراتيجية لمواجهة القمع، وهو ما يعزز مرونة الحركة العمالية الإيرانية رغم الظروف الصعبة.
- في يوليو 2026، وثقت منظمة العفو الدولية (Amnesty International) اعتقال 15 ناشطًا عماليًا في تجمعات مرتبطة بقطاع النفط.
- أشار تقرير لـ هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) في أغسطس 2026 إلى استمرار تأخر الأجور لأكثر من أربعة أشهر لعمال مشاريع البتروكيماويات.
- في سبتمبر 2026، أفادت تقارير حقوقية عن صدور أحكام بالسجن ضد ثلاثة من منظمي إضراب عمال هفت تبه، بحسب مركز عبد الرحمن بورومند (Abdorrahman Boroumand Center).
- تزايد عدد الشكاوى حول ظروف السلامة المهنية في مصانع الصلب الإيرانية خلال صيف 2026، وفقًا لـ إيران هيومن رايتس (IHRNGO).
- سجلت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) احتجاجات متفرقة لعمال البلديات في عدة مدن إيرانية في أواخر أغسطس 2026 للمطالبة بمستحقاتهم.
- أوردت رويترز (Reuters) أن إنتاج النفط تأثر بشكل محدود في منطقة الأحواز إثر احتجاجات عمالية قصيرة في أوائل يوليو 2026.
أسئلة شائعة
ما هي أبرز المطالب الحالية لعمال النفط في إيران؟
تتركز المطالب الحالية لعمال النفط في إيران على تحسين الأجور لمواجهة التضخم المتزايد، وضمان دفعها في مواعيدها المحددة، وإنهاء عقود التوظيف المؤقتة التي تحرمهم من الاستقرار الوظيفي والتأمين الاجتماعي. كما يطالبون بتحسين ظروف السلامة المهنية وتوحيد المزايا مع العمال الرسميين. (Human Rights Watch, 2026)
كيف تؤثر الأزمة الاقتصادية على قدرة العمال على تنظيم الاحتجاجات؟
تزيد الأزمة الاقتصادية من الضغوط المعيشية على العمال، مما يدفعهم للاحتجاج رغم مخاطر القمع. ومع ذلك، فإن الفقر وتأخر الأجور قد يحدان أحياناً من قدرتهم على التعبئة لفترات طويلة بسبب الحاجة الملحة للدخل، مما يجعل احتجاجاتهم غالبًا ذات طابع مفاجئ وقصير الأمد. (Iran Human Rights, 2026)
ما هو دور وسائل التواصل الاجتماعي في الحركة العمالية الإيرانية حالياً؟
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً حيوياً في تمكين الحركة العمالية الإيرانية، حيث تُستخدم لتنسيق الإضرابات والتجمعات، ونشر المعلومات حول الاعتقالات والانتهاكات، وتوثيق ظروف العمل، وتبادل الدعم بين النشطاء العماليين، وذلك في ظل غياب نقابات مستقلة ورقابة إعلامية شديدة. (IranWire, 2026)
هل هناك جهود دولية لتقديم الدعم لعمال إيران؟
تعمل المنظمات الحقوقية الدولية، مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، على توثيق الانتهاكات والضغط على الحكومة الإيرانية لاحترام حقوق العمال الأساسية. كما تصدر بيانات وتوصيات للجهات الدولية والأممية لحثها على التدخل وحماية النشطاء العماليين. (Amnesty International, 2026)
المصادر
المصادر
- Amnesty International: Iran: Repression mounts as authorities crack down on workers' rights
- Human Rights Watch: Iran: Workers Pay Price for Protests
- Iran Human Rights (IHR): Repeated arrests and harsh sentences for Haft Tappeh sugar cane workers
- IranWire: Oil Workers are Striking in Iran Once Again
- BBC News Persian: اعتراضات کارگران هفت تپه به کجا انجامید؟
- Reuters: Iranian oil workers strike, raising pressure on government
- Boroumand Center: Repression of Labor Activists in Iran


