Iran Holocaust

المجلة · AR · · 7 min read

من هفت تبه إلى حقول النفط: العمال كمقاومة في إيران

شهدت إيران، منذ عقود، حركة عمالية تتحدى القمع، وتطالب بالحقوق الأساسية والأجور العادلة. فمن إضرابات مصنع هفت تبه للسكر إلى احتجاجات عمال النفط، يبرز العمال كقوة مقاومة محورية في المشهد السياسي الإيراني.

Wikimedia Commons

جذور المقاومة العمالية: الفترة ما قبل الثورية

Oil refinery boilers in Abadan
Iran’s labor politics have long been tied to oil and heavy industry.

لم تبدأ المقاومة العمالية في إيران مع الثورة الإسلامية، بل لها جذور عميقة تمتد إلى العقود التي سبقتها. ففي بداية القرن العشرين، مع اكتشاف النفط وتأسيس المصانع، بدأت الطبقة العاملة بالتشكل وتطوير وعيها النقابي. شهدت سنوات الأربعينيات والخمسينيات نشاطًا عماليًا ملحوظًا، خاصة في قطاع النفط، حيث نظم العمال إضرابات كبيرة للمطالبة بتحسين ظروف العمل وزيادة الأجور. كانت هذه الإضرابات غالبًا ما تواجه قمعًا شديدًا من قبل حكومة الشاه، لكنها أسست لتراث من النضال العمالي الذي استمر لعقود. لعبت التجمعات العمالية دوراً مهماً في تشكيل الوعي السياسي وتوحيد جهود المطالبين بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، مما مهّد لدورهم الفاعل لاحقاً في الأحداث الكبرى.

قبل الثورة، كانت الحركة العمالية الإيرانية تتسم بنشاط ملحوظ، خاصة في قطاعي النفط والنسيج. في عام 1946، على سبيل المثال، شهدت حقول النفط في عبدان إضرابًا ضخمًا شارك فيه الآلاف من العمال للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، وهو ما دفع الحكومة آنذاك إلى استجابات أمنية عنيفة، لكنه لم يوقف تزايد الوعي العمالي. بعد الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عام 1953، تعرضت النقابات العمالية للقمع الشديد، وتم حظر العديد منها، مما أجبر النشاط العمالي على العمل في السر. ومع ذلك، استمرت المطالب العمالية بالتغلغل في المجتمع، وكانت جزءًا محوريًا من التحركات الاجتماعية التي أدت في النهاية إلى الثورة الإيرانية عام 1979، حيث لعب العمال دوراً حاسماً في تعطيل اقتصاد النظام السابق عبر الإضرابات المنسقة.

عمال النفط: القوة الصامتة للاقتصاد الإيراني

Abadan refinery complex
Industrial workplaces remain central to strikes and economic pressure.

يمثل عمال قطاع النفط والغاز في إيران قوة اقتصادية وسياسية هائلة، نظرًا لأهمية هذا القطاع في الاقتصاد الوطني. تاريخيًا، لعب هؤلاء العمال دورًا حاسمًا في الأحداث الكبرى، فإضراباتهم عام 1978-1979 كانت أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى سقوط نظام الشاه. وفي السنوات الأخيرة، عاد عمال النفط بقوة إلى المشهد الاحتجاجي، خاصة منذ عام 2020، حيث نظموا إضرابات واسعة شملت عدة محافظات، مطالبين بتحسين الأجور وظروف العمل، وإنهاء عقود التوظيف المؤقتة التي تحرمهم من الاستقرار الوظيفي والتأمين الاجتماعي. هذه الإضرابات أدت إلى تعطيل جزئي للإنتاج في بعض المنشآت، مما سلط الضوء على قدرتهم على التأثير في صميم الاقتصاد الإيراني وفعالية نضالهم في التأثير على صانعي القرار.

تتركز مطالب عمال النفط على إنهاء التمييز بين عمال العقود المؤقتة والعمال الرسميين، وتوحيد جدول الرواتب والمزايا، وتحسين معايير السلامة المهنية في بيئات العمل الخطرة. وفي صيف عام 2021، شارك آلاف العمال في إضراب 'الحملة 1400' عبر أكثر من 100 شركة نفط وغاز وبتروكيماويات في جميع أنحاء البلاد. أفادت تقارير بثتها 'إيران واير' و'بي بي سي فارسي' بأن حجم الإضرابات كان كبيرًا جدًا، مما اضطر الحكومة إلى تقديم بعض التنازلات، وإن لم تكن كافية لتحقيق جميع مطالب العمال. هذه التحركات تؤكد على أن عمال النفط، رغم القيود الأمنية الشديدة والرقابة الحكومية، لا يزالون يمثلون عامل ضغط قويًا، ويمكن لإضراباتهم أن تشل قطاعًا حيويًا، مجبرة السلطات على الاستماع لمطالبهم.

التأثير على المشهد السياسي وصعوبات التنظيم

تُظهر الاحتجاجات العمالية المستمرة في إيران، من هفت تبه إلى حقول النفط، أن الطبقة العاملة لا تزال قوة فاعلة في المشهد السياسي، حتى في ظل نظام قمعي يحد من الحريات النقابية والتجمع. فبينما لا يُسمح بتشكيل نقابات عمالية مستقلة بحرية، يلجأ العمال إلى أشكال تنظيمية بديلة، مثل المجالس التنسيقية ومجموعات التضامن على وسائل التواصل الاجتماعي، لتنسيق تحركاتهم ونشر رسالتهم. هذه الحركات العمالية تقدم نموذجًا للتحدي ضد بنى السلطة، ليس فقط من خلال المطالب الاقتصادية، بل أيضًا من خلال الكفاح من أجل مساحة مدنية وحرية للتعبير عن المظالم، وهو ما يعكس سعي العمال لتأكيد وجودهم كجزء لا يتجزأ من المجتمع، رافضين تهميشهم.

رغم هذا التأثير، تواجه الحركات العمالية في إيران تحديات جمة، أبرزها القمع الأمني الشديد الذي يتعرض له قادة وعمال النضال. حيث تُعتبر التجمعات والإضرابات غير المصرح بها أعمالاً غير قانونية، ويواجه المشاركون فيها الاعتقال التعسفي، والاتهامات الأمنية، وحتى أحكام السجن. إن غياب نقابات عمالية قوية ومستقلة يعني أن العمال يفتقرون إلى آليات التفاوض الفعالة والحماية القانونية الكافية. ومع ذلك، فإن الإصرار على مواصلة الاحتجاجات، والتضامن المتزايد بين مختلف القطاعات العمالية، يشير إلى أن روح المقاومة لا يمكن قمعها بالكامل، وأن المطالب بالعدالة الاجتماعية والكرامة ستظل حية داخل الطبقة العاملة الإيرانية. هذه التحديات تدل على أن النضال العمالي في إيران هو معركة مستمرة متعددة الجوانب تتطلب المثابرة والتخطيط الاستراتيجي.

المنظمات الحقوقية الدولية ودورها

تلعب المنظمات الحقوقية الدولية دورًا حيويًا في توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها العمال في إيران، ونقل أصواتهم إلى العالم. فمنظمات مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، ومركز عبد الرحمن بورومند لحقوق الإنسان (Boroumand Center) تقوم بجمع المعلومات من مصادر داخلية ومتابعة المحاكمات، وتقرير الأوضاع بشكل دوري. هذه التقارير غالبًا ما تسلط الضوء على الاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والأحكام القضائية الجائرة ضد النشطاء العماليين، وتساعد في الضغط على الحكومة الإيرانية لاحترام التزاماتها الدولية في مجال حقوق العمل والحقوق المدنية والسياسية. بدون هذه المنظمات، غالبًا ما تبقى هذه الانتهاكات غير موثقة، والضحايا يفتقرون إلى أي دعم خارجي.

كما أن هذه المنظمات لا تقتصر على التوثيق فحسب، بل تعمل أيضًا على الدفاع عن هؤلاء العمال من خلال حملات المناصرة الدولية. فمن خلال البيانات الصحفية، والتقارير المفصلة، والتواصل مع الحكومات والمنظمات الدولية الأخرى، تسعى هذه المنظمات إلى توفير الحماية للنشطاء العماليين، ورفع الوعي بالقمع الذي يتعرضون له. على سبيل المثال، وثقت منظمة العفو الدولية في العديد من المناسبات حالات إسماعيل بخشي ومحمد خاني، وتسليط الضوء على الانتهاكات التي تعرضوا لها. تساعد هذه الجهود في كسر جدار الصمت حول القضايا العمالية في إيران، وتقديم بارقة أمل للضحايا بأن صوتهم مسموع وأن نضالهم لا يمر دون اهتمام من المجتمع الدولي، مما يعزز من صمودهم في وجه القمع.

مستقبل الحركة العمالية الإيرانية

على الرغم من التحديات الهائلة، يُظهر التاريخ الحديث للحركة العمالية في إيران مرونة وصمودًا لافتين. فكلما حاول النظام قمع الاحتجاجات، ظهرت أشكال جديدة من التنظيم والمقاومة. يتوقع أن تستمر المطالب العمالية، خاصة فيما يتعلق بالأجور المُنخفضة، وتأخر الرواتب، وسوء ظروف العمل، في كونها دافعًا رئيسيًا للاحتجاج. إن التضخم الاقتصادي والارتفاع المستمر في تكلفة المعيشة يزيدان من الضغط على العمال، مما يجعل المطالب الاقتصادية محركًا رئيسيًا للاضطرابات الاجتماعية. ومع استمرار العقوبات الدولية والسياسات الاقتصادية الحكومية التي تزيد من معاناة الطبقة العاملة، من المرجح أن تزداد وتيرة الاحتجاجات وشدتها، فالمطالب الاقتصادية لا تزال تشكل حافزًا قويًا للتحركات العمالية المتواصلة.

في المستقبل، قد نشهد تعزيزًا للتضامن بين مختلف قطاعات العمال، ليس فقط بين عمال الصناعات الكبرى بل أيضًا بين المعلمين، والممرضات، وغيرهم من الموظفين الحكوميين والمتقاعدين، الذين يواجهون تحديات اقتصادية مماثلة. هذا التضامن المتزايد يمكن أن يقوي من صوت الحركة العمالية الإيرانية ويجعلها أكثر فعالية في الضغط على الحكومة. ومع استمرار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتنظيم ونشر المعلومات، يمكن للحركة العمالية أن تتجاوز القيود المفروضة على الإعلام التقليدي وأن تصل إلى جمهور أوسع داخل وخارج إيران. إن النضال المستمر من أجل الحقوق العمالية والعدالة الاجتماعية في إيران، هو جزء لا يتجزأ من النضال الأوسع من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد. إن هذه التطورات تشير إلى أن الحركة العمالية ستظل لاعباً هاماً وحيوياً في تحديد مستقبل إيران.

المصادر

  1. Amnesty International: Iran: Repression mounts as authorities crack down on workers' rights
  2. Human Rights Watch: Iran: Workers Pay Price for Protests
  3. Iran Human Rights (IHR): Repeated arrests and harsh sentences for Haft Tappeh sugar cane workers
  4. IranWire: Oil Workers are Striking in Iran Once Again
  5. BBC News Persian: اعتراضات کارگران هفت تپه به کجا انجامید؟
  6. Reuters: Iranian oil workers strike, raising pressure on government
  7. Boroumand Center: Repression of Labor Activists in Iran

← المجلة