جذور الحجاب الإجباري: من الثورة إلى القانون الصارم

بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، بدأت عملية فرض الحجاب في إيران تدريجياً. في البداية، كان المسؤولون يدّعون أن ارتداء الحجاب سيكون اختيارياً، لكن سرعان ما تغير هذا الوعد. في مارس 1979، بعد أسابيع فقط من عودة آية الله الخميني، خرجت آلاف النساء إلى شوارع طهران للاحتجاج على الأنباء التي تتحدث عن فرض الحجاب الإلزامي. في إحدى أكبر هذه المظاهرات، تجمعت النساء في ميدان "آزادي" (الحرية)، ورددن شعارات مثل "الحرية حقنا، وارتداء الحجاب يجب أن يكون اختيارياً". ومع ذلك، تجاهلت الحكومة هذه الاحتجاجات بشكل كبير.
في عام 1983، أصدر البرلمان الإيراني قانوناً يلزم جميع النساء بارتداء الحجاب في الأماكن العامة، وهو ما يُعرف بـ "قانون الحجاب والعفة". حمل هذا القانون عقوبات صارمة تتراوح بين الغرامات والسجن لغير الملتزمات، ورسّخ الحجاب كجزء لا يتجزأ من الهوية الإسلامية للجمهورية الإيرانية. تسببت هذه الإجراءات في إحداث تغيير جذري في المجتمع الإيراني، حيث تحولت الشوارع والمدارس والمساحات العامة إلى ساحات للمراقبة والتطبيق الصارم لهذه القوانين.
تولت لجنة الثورة الإسلامية، وهي هيئة شبه عسكرية تشكلت بعد الثورة، مسؤولية إنفاذ هذه القوانين في السنوات الأولى. كانت هذه اللجان، المعروفة بوحشيتها، تعمل على تطبيق مجموعة واسعة من القوانين الأخلاقية، بما في ذلك قيود الزي والموسيقى والفصل بين الجنسين في الأماكن العامة. كانت دورياتها تتجول في الشوارع، وتوقف النساء لمعاقبتهن على "الملابس غير اللائقة"، مما أرسى الأساس لما سيصبح لاحقًا "شرطة الأخلاق".
مقتل مهسا أميني: شرارة ثورة "المرأة، الحياة، الحرية"

في 13 سبتمبر 2022، اعتقلت الشرطة الأخلاقية مهسا أميني، وهي فتاة تبلغ من العمر 22 عامًا، في طهران بتهمة "عدم الالتزام بقواعد اللباس الإسلامي". بعد ساعات قليلة من اعتقالها، نُقلت مهسا إلى المستشفى في حالة حرجة وتوفيت بعد ثلاثة أيام في 16 سبتمبر. زعمت السلطات الإيرانية أنها توفيت نتيجة نوبة قلبية مفاجئة، بينما أصرت عائلتها وشهود عيان على أنها تعرضت للضرب المبرح أثناء الاحتجاز. أثار نبأ وفاتها غضبًا عارمًا في جميع أنحاء إيران والعالم.
أشعلت وفاة مهسا أميني شرارة احتجاجات واسعة النطاق لم يشهدها البلد منذ سنوات، وانتشرت تحت شعار "المرأة، الحياة، الحرية" (زن، زندگی، آزادی). امتدت المظاهرات إلى أكثر من 160 مدينة وبلدة في جميع أنحاء البلاد، وشارك فيها الرجال والنساء من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية. قادت النساء هذه الاحتجاجات، وخلعن حجابهن وحرقنه في الأماكن العامة، وقصصن شعورهن تعبيرًا عن التحدي والغضب.
وفقًا لمنظمة حقوق الإنسان في إيران (IHR)، قُتل ما لا يقل عن 500 شخص، بمن فيهم 69 طفلاً، في قمع الاحتجاجات بحلول نهاية عام 2022. واعتقلت السلطات عشرات الآلاف من المتظاهرين، وحُكم على العديد منهم بالإعدام. ذكرت وكالة رويترز أنه بحلول منتصف عام 2023، تم إعدام سبعة أشخاص على الأقل بسبب ارتباطهم بالاحتجاجات. هذه الأرقام المروعة تسلط الضوء على وحشية رد فعل النظام على حركة شعبية سلمية تطالب بالحرية والكرامة الإنسانية.
ما بعد مهسا: تراجع أم تكيف؟
بعد الاحتجاجات الواسعة التي أعقبت وفاة مهسا أميني، بدا أن الشرطة الأخلاقية قد تراجعت عن الوجود العلني في الشوارع لبعض الوقت. هذا التراجع أثار آمالًا بأن النظام قد يتراجع عن سياسته أو يخفف منها. ومع ذلك، تشير التقارير اللاحقة إلى أن السلطات الإيرانية لم تتخل عن هدفها، بل غيرت من أساليبها. بحلول منتصف عام 2023، بدأت الحكومة في استخدام كاميرات المراقبة وتقنيات التعرف على الوجوه لتحديد النساء اللواتي لا يلتزمن بالحجاب في الأماكن العامة.
وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها عام 2023 هذه الإجراءات بأنها "حرب الكاميرات على النساء"، محذرة من أن السلطات تستخدم التكنولوجيا لتشديد المراقبة وفرض الحجاب بشكل أكثر فعالية دون الحاجة إلى دوريات الشرطة المرئية التي تثير الغضب الشعبي المباشر. كما زادت السلطات من إغلاق المتاجر والمطاعم والشركات التي تسمح بدخول نساء غير محجبات، كجزء من حملة أوسع لفرض الحجاب بطرق غير مباشرة.
في الوقت نفسه، أصدر القضاء الإيراني أحكامًا قاسية على النساء اللواتي تحدين قوانين الحجاب. في يوليو 2023، حُكم على الممثلة أفسانه بيغان بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ ومنعها من الأنشطة على الإنترنت، بالإضافة إلى "علاج نفسي" إلزامي، بتهمة "عدم ارتداء الحجاب". تظهر هذه الإجراءات أن النظام مصمم على إبقاء الحجاب الإلزامي، حتى لو كان ذلك يعني استخدام أساليب أكثر تكنولوجية وشرعية لقمعه.
تراجعت الشرطة الأخلاقية عن الوجود العلني، لكن السلطات الإيرانية لم تتخل عن هدفها، بل غيرت من أساليبها، مستخدمة التكنولوجيا لفرض الحجاب بشكل أكثر فعالية.
الواقع الراهن: عنف مستمر ومستقبل غير مؤكد
في أواخر عام 2023 وبداية عام 2024، عادت دوريات الشرطة الأخلاقية لتظهر بوضوح في الشوارع الإيرانية، مما يشير إلى انتهاء مرحلة "التراجع" المؤقتة. ذكر تقرير لـ "بي بي سي فارسي" في ديسمبر 2023 أن عدد الدوريات زاد بشكل ملحوظ في طهران ومدن أخرى، وأن ممارسات العنف والتضييق عادت للظهور. هذا العودة تأتي في سياق تشديد عام على الحريات المدنية والقمع المتزايد للمعارضة في إيران.
تستمر التقارير عن العنف والوفيات في سياق تطبيق الحجاب الإلزامي. في أكتوبر 2023، توفيت المراهقة أرميتا غراوند بعد ثلاثة أسابيع من دخولها في غيبوبة عقب حادثة في مترو طهران. بينما زعمت السلطات أنها سقطت نتيجة "انخفاض مفاجئ في ضغط الدم"، أشارت روايات شهود عيان وتقارير دولية، نقلتها منظمة العفو الدولية، إلى أنها تعرضت لاعتداء جسدي من قبل عناصر الشرطة الأخلاقية لعدم ارتدائها الحجاب بشكل صحيح.
وبينما تواصل السلطات الإيرانية جهودها لقمع المقاومة، فإن النساء الإيرانيات يواصلن تحدي قوانين الحجاب بوسائل مختلفة. لا يزال عدد كبير من النساء في المدن الإيرانية يظهرن في الأماكن العامة بدون حجاب أو بحجاب فضفاض، مما يعكس تصميمهن على المطالبة بحرياتهن الأساسية. يظهر هذا التصادم المستمر بين إرادة الدولة وحق النساء في الاختيار أن الصراع حول الحجاب في إيران لم ينته بعد، وأن المستقبل لا يزال يحمل الكثير من التحديات والآمال بالنسبة للمواطنين الإيرانيين.
المصادر
- Amnesty International Report 2023 - Iran
- Human Rights Watch - Iran: Cameras to Enforce Hijab
- Iran Human Rights - Protest-Related Executions in Iran: A Fact Sheet
- BBC News Persian - Return of Iran's morality police sparks fear
- Reuters - Factbox: Mahsa Amini protests and Iran's crackdown
- Boroumand Center for Human Rights - Iran: Abuses Related to Compulsory Veiling
- IranWire - The Morality Police: Then and Now
